ابن أبي الحديد
186
شرح نهج البلاغة
عنك الركبان ، وهذا الكلام لا يدل على أنه عقل من الامر الفور لا محالة ، بل هو على أن يدل على التراخي أظهر ، وقول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " لم تأخرت عن المسير ؟ " لا يدل على الفور ، لأنه قد يقال مثل ذلك لمن يؤمر بالشئ على جهة التراخي إذا لم يكن سؤال إنكار . وقول المرتضى : لان سؤال الركب عنه بعد الوفاة لا معنى له ، قول من قد توهم على قاضي القضاة أنه يقول : " إن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ما أمرهم بالنفوذ إلا بعد وفاته ، ولم يقل قاضي القضاة ذلك ، وإنما ادعى أن الامر على التراخي لا غير ، وكيف يظن بقاضي القضاة أنه حمل كلام أسامة على سؤال الركب بعد الموت ! وهل كان أسامة يعلم الغيب فيقول ذاك ! وهل سأل أحد عن حال أحد من المرضى بعد موته ! فأما قول المرتضى عقيب هذا الكلام : لا معنى لقول قاضي القضاة إنه لم ينكر على أسامة تأخره ، فإن الانكار قد وقع بتكرار الامر حالا بعد حال ، فلقائل أن يقول : إن قاضي القضاة لم يجعل عدم الانكار على أسامة حجه على كون الامر على التراخي ، وإنما جعل ذلك دليلا على أن الامر كان مشروطا بالمصلحة ومن تأمل كلام قاضي القضاة الذي حكاه عنه المرتضى تحقق ذلك ، فلا يجوز للمرتضى أن ينتزعه من الوضع الذي أورده فيه ، فيجعله في موضع آخر . ومنها قول قاضي القضاة : الامر بتنفيذ الجيش يجب أن يكون متوجها إلى الخليفة بعده ، والمخاطب لا يدخل تحت الخطاب ، واعتراض المرتضى عليه بأن لفظة " الجيش " يدخل تحتها " أبو بكر " فلا بد من وجوب النفوذ عليه ، لأن عدم نفوذه يسلب الجماعة اسم " الجيش " فليس بجيد ، لان لفظة " الجيش " لفظة موضوعة لجماعة من الناس قد أعدت للحرب ، فإذا خرج منها واحد أو اثنان لم يزل مسمى الجيش عن الباقين ، والمرتضى